|
ترابط في اسرائيل، بمجتمعها المطَوَّق والمجزّأ، التي تدوس محيطها، تهدد سلامة سكانها وتضع المسلوبين المقموعين الواحد ضد الآخر– من الصعب التكاتف معا لتغيير الوضع القائم. فالنخب المسيطرة تعلّمت كيف تتغلّب على الأزمات، عبر بلورة نظام اجتماعي يقوم على الفصل المنهجي بين المستغَلين، وزجّهم الواحد في وجه الآخر. أما الحروب والاستيطان فقد انسجمت بشكل كبير في عملية بناء مجتمع رأسمالي استعماري. ومقابل هذا الجهاز الضخم، يقف أناس ليناضلوا من اجل حقوقهم في حلبات مختلفة – غالبًا ما تكون منعزلة الواحدة عن الاخرى. ومن هنا، فهناك حاجة ماسّة في ربط النضالات، وكشف العلاقات بين المجالات المجزّأة المفصولة، وصياغة استراتيجية مناهضة. يجب التفكير مجددا في كيفية القيام بذلك. نحن نعيش اليوم في ظل هجمة غير مسبوقة لمشروع يميني واضح، يسعى – في نفس الوقت – الى تنفيذ ثلاثة أهداف بعيدة المدى: ضمان استمرار الاحتلال والاستيطان، خصخصة كل الاقتصاد من خلال حرمان المواطنين من الحقوق الاجتماعية الأساسية، وفرض تفوّق مدني مطلق لليهود داخل دولة اسرائيل، عبر افراغ مواطنة سكانها الفلسطينيين من مضمونها، خلخلة انجازاتهم الجزئية التي تحققت في نضال على مر سنين طويلة من أجل المساواة في الحقوق، ومنع المواطنة والإقامة عن مهاجري العمل واللاجئين من كل من ليس يهوديا، أو لا يعتبر يهوديا بشكل كاف. فالمجموعة المسيطرة في النخبة الاسرائيلية تسعى لتعزيز مكانتها من خلال الانفصال عن كل التزام بالسلام، عن كل التزام بالرفاهية وعن كل التزام بحقوق الانسان والمساواة المدنية. ازاء الهجمة على حقوقهم، ينزع ضحايا هذه السياسة الى الانطواء للداخل. فأحيانا، نفضّل طأطأة الرأس حتى تمر العاصفة، مواصلة الحياة، تسيير أمورنا، وفي أحسن الأحوال نحاول صد الضربة المباشرة والتركيز في نضال عيني ذي احتمالات ما – ولكن في بعض الحالات يحاول المتضررون أن يعتبروا أنفسهم كمن يستحقون حقوقا واهتماما بشكل امتيازي من جهة اصحاب السطوة، وهم يقومون بذلك عبر الانفصال عن متضررين آخرين – وخاصة اولئك الأضعف منهم. هذا جزء من منطق الفصل بين المقموعين والمسلوبين، والذي يقوم عليه المجتمع والسياسة في اسرائيل. مقابل عمليات الفصل هذه – على كل المستويات – هناك حاجة في الترابط. ترابط بين نضالات مشتركة في مجتمع مجزّأ، من أجل بلورة مستقبل مشترك. أولا وقبل كل شيء الترابط المتين بين العرب واليهود المناضلين من أجل تغيير اجتماعي، وبين مجموعات مختلفة في المجتمع – كل واحدة وشكل القمع العيني الذي يميزها، معاناتها الخاصة وتاريخها. لكن هذا غير كاف. هناك حاجة في التفكير وفي بناء روابط اضافية: بين النضالات من اجل سلام عادل وبين النضالات الاجتماعية الطبقية لأجل المساواة، بين السياسة المباشرة من القاعدة وبين استراتيجيات شاملة للتغيير الاجتماعي، بين الحساسيات الانسانية والاجتماعية وبين التحليل والتفكير السياسيين. فهناك حاجة للتفكير المجدّد بالترابط بين الناشطات والناشطين وبين المجتمع الذي نعيش وننشط فيه. لا يوجد، اليوم، للناشطات والناشطين من اجل التغيير السياسي والاجتماعي الراديكاليين اطار يربطهم ويمكنهم من الالتقاء معا. والأمر الأخطر، ان هناك عددا قليلا جدا من الاطر التي تجمع ما يُعتبر عادة كمجالات منفصلة: السياسي، علاقات العرب واليهود في اسرائيل، الاجتماعي–الاقتصادي، الطبقي، مكانة النساء، حقوق الانسان الكونية، جودة ومستقبل البيئة، علاقة الدين والدولة والى آخره. هذا الفصل بين المجالات المختلفة هو أحد العراقيل الكبيرة التي تقف في وجه كل الطامحين الى تغيير اجتماعي جدي. ففي ميادين النشاط المختلفة يجري القيام بعمل هام، تجربة ذات قيمة كبيرة تراكمت لدى الناشطات والناشطين، ولكن في غياب اطار يمكّن من التقاء التجارب والحساسيات المختلفة التي تسمح بفحص الروابط بين مختلف مستويات الواقع الاجتماعي والتفكير في كيفية ربطها، نظل معزولين، وكل منا في ميدان نشاط منفصل. ويجدر القول ان الصعوبة ليست تنظيمية فحسب: ففي متناول يدينا عدد قليل جدا من التحليلات – العينية، المعمّقة والعملية – للعلاقات بين المجالات المختلفة في الواقع الاسرائيلي. وغياب تحليل كاف للمجتمع الذي نعيش فيه وللعمليات التي تجري فيه وغياب استراتيجية راديكالية تقوم على تحليل كهذا، هي عوامل تعرقل تطوير بديل يساري جدي للنظام القائم. جميعنا ناشطون في اطر مختلفة ومتنوعة: حركات احتجاج، حركات اجتماعية، جمعيات، أحزاب، وهكذا. نحن منخرطون في نضالات – من أجل المساواة والعدالة الاقتصادية والاجتماعية، ضد الاحتلال وسلب الفلسطينيين حقوقهم ومن أجل سلام عادل، من أجل مساواة قومية في اسرائيل، من اجل مساواة بين الاجناس، مع حقوق النساء وضد القمع الجنسوي، ضد العنصرية وضد التمييز الثقافي، الديني والطائفي، من اجل حقوق العمال ورفاهية الجماهير المسلوبة والمستغَلة في القرى وضواحي الفقر أو بلدات التطوير، من اجل البيئة، حقوق مهاجري العمل وغير ذلك. وسنواصل العمل والنشاط في الاطر القائمة. نحن ملتزمون بالنشاط اليومي وبالنضالات التي ننخرط فيها. مع ذلك، ينقصنا جميعا الترابط مع نضالات أخرى نتماثل معها، وينقصنا اطار مشترك مع اولئك الذين يقومون بها فيما هم قريبون منا روحيا. ينقصنا اللقاء الدوري، تقييم نشاطنا، والتفكير المشترك والنظرة النقدية. ليس النظرة العامة التي تتأمل من فوق وتعرف كل شيء مسبقا، تلك التي تلغي الأفراد لصالح الصورة الكبرى، بل النظرة المشتركة التي تنبني من قلب الحوار– من أجل النظر الى الجوانب، والتعلم من تجربة الآخرين العينية، والخوض في مشاكلنا. على أية حال، تنقصنا التجربة لكي نفحص بشكل شامل هذا المجتمع الذي ننشط فيه، وهو تحليل ضروري حتى نستطيع ان نوضح أهدافنا لأنفسنا ولمن هم من حولنا. فاذا اردنا تجاوز مجال الاحتجاج المجرد والمبادرة الى نشاطات عادلة وضرورية بحد ذاتها، ترد على "الوضع"، ومن اجل تغيير الواقع الفظيع الذي نعيش فيه، لا مناص من بحث جدي ومحاولة صياغة استراتيجيات. لا يوجد من يفكر بدلا منا، لا يعرف احد ان يقرر لنا الى اين نذهب وكيف نتصرف، سوى نحن انفسنا – عبر التدارس المشترك وجمع الرؤى المختلفة التي نحضرها معنا من النضالات، من التجربة المتراكمة، ومن الدراسة النقدية لتجربة الآخرين، أولئك الذين يشبهوننا في كل العالم. من هنا، فقد فكرنا باقامة اطار للإلتقاء، ليس حزبا لكنه ليس اطارا فكريا نظريا فحسب: إنه اطار سياسي دوره الاساسي هو التفكير المشترك، في محاولة لاستيضاح قضايا اساسية وفحص استراتيجيات، من أجل التأثير فكريًا وعمليًا على النضالات لأجل التغيير السياسي والاجتماعي. اطار للترابط والتقوية: ترابط. يبدو لنا انه يجب ان تتوفر مجموعة من الشروط الاولية حتى يكون هناك احتمال للترابط الحقيقي في اطار كهذا: · يجب ان يكون عربيا – يهوديا من اساسه، مؤلفا من ناشطات وناشطين ذوي خلفيات اجتماعية مختلفة، من اصول متنوعة، ومن مجالات عمل ونشاط ومناطق جغرافية متعددة. · يجب ان يطمح الى تجسيد مجالات نشاط متنوعة وممنوع ان يحل محل انخراط مشاركيه في اطر النشاط الأخرى، فهو يجب ان يقوّي مَن ينشط، ويحفز على النشاط في اطر اوسع وليس ان يستبدلها. · النقاشات يجب ان تكو بروح الصداقة والديمقراطية، تدفعها الارادة للتعلم، للفهم، وللمساهمة بافكار واقتراح اتجاهات وطرق. ولكن الانفتاح في النقاشات يجب الا يضعف البحث عن طريق، ولا يمكن ان يأتي على حساب اتخاذ مواقف حادة وواضحة في القضايا المطروحة، وما لا يقل اهمية – في القضايا التي يجب طرحها. فيما يلي الخطوط الأساسية التي تبدو لنا ذات أهمية أكبر من غيرها. حول بقية القضايا يجب ان يبدأ الحوار. فالقاعدة الفكرية لهذا الاطار واضحة الى حد ما: · نقطة الانطلاق المشتركة لنا جميعا هي المساواة الاساسية بين البشر. نحن نرفض التسليم بنظام اجتماعي يقوم على الاقتصاد الرأسمالي الاستغلالي الذي يدمر البيئة، يدوس الضعفاء ويجعل عددا لا يحصى من البشر في طور الزائدين. ولذلك، فنحن نسعى الى ربط نضالات المتضررين من السياسة الاقتصادية النيوليبرالية وبين الطموح الى بلورة بدائل اجتماعية واقتصادية تكفل المساواة والعدالة والتكافل. · نحن نرفض الصهيونية كحركة استيطان تسلب الفلسطينيين وتقيم مجتمعا جداريا، تمنح اليهود حقوقا امتيازية وتخلق هرميات سياسية – اجتماعية ومدنية عنصرية. مع سلب حقوق الفلسطينيين, وضعت الصهيونية اليهود الشرقيين على الاطراف الاجتماعية والتربوية وسلبت الشرعية العلنية للثقافة الحقيقية الحيّة للتجمعات التي تنطق العربية واللادينو واليديش. · نحن نرفض كل اشكال القمع والتمييز بحق النساء، وندعم المساواة التامة والتنظم المستقل للنساء من اجل نضالهن. فالنضال من اجل المساواة بين الاجناس ليس نضالا ضد معايير ونظم اجتماعية او سياسية خارجية فحسب، بل انه مسألة نضال داخلي لدينا – لدى الناشطات والناشطين من اجل التغيير الاجتماعي حتى نذوّت ونطبق بيننا العلاقات الاجتماعية المتساوية. · نحن نطمح الى دمقرطة قصوى للمجتمع، بحيث تسمح بأكبر مشاركة للسكان في اتخاذ القرارات وتعزيز المجموعات من خلال توسيع دائم لحقوق المواطن. نحن نرفض العنصرية بكل اشكالها – الممؤسسة منها والشعبية، الرسمية واليومية. · نحن نرفض اقصاء أية اقلية من الحيز الجماهيري – سواء على اساس قومي، ديني، عرقي، طائفي، اختيار جنسي، ثقافي، لغوي – ونبحث عن طرق لربط نضالات الاقليات على حقوقها مع نضالات التغيير الاجتماعي الشامل على اساس المساواة واحترام الاختلاف. · ان مستقبل اسرائيل هو في الشرق الاوسط – ليس كحصن مسلح، كحارسة للنظام القائم والهيمنة الامبريالية – بل الى جانب بقية شعوب المنطقة، في شرق اوسط حرّ يقوم على المساواة. وعلينا ان نبحث عن حلفائنا في المنطقة بين القوى الدمقراطية المناضلة ضد الامبريالية، ضد الدكتاتوريات، ضد الاستغلال الكولونيالي والنيوكولونيالي، ضد التعصب الديني والرجعية الاجتماعية القمعية. الاندماج في الشرق الاوسط تفتح امكانيات كبيرة للتغيّر الاجتماعي في اسرائيل, لمحو العنصريّة في داخلها ولازدهار الثقافات اليهودية-الشرقية والعربية. · نحن نؤيد التسوية بين الشعب الاسرائيلي والشعب الفلسطيني، وهي التي يمكن ان تقوم فقط على الاعتراف بغبن الماضي، واولها النكبة الفلسطينية عام 1948، والسعي لاصلاح الغبن من خلال التعاطي الجريء مع تداعياتها في الحاضر وبناء مستقبل من العدالة، المساواة، والاحترام المتبادل. مستقبل كهذا يستوجب تسويات سياسية، لكنه يقوم على علاقات انسانية ومصالح اجتماعية مشتركة وحقيقية. · سنؤيد تسويات سلام سياسية تقوم على تطبيق حقيقي لحقوق الشعب الفلسطيني في الاستقلال السياسي الى جانب اسرائيل بشروط تضمن ديمومتها. والطريق لذلك هي الالغاء التام لاحتلال 1967 من خلال السعي لاصلاح غبن الماضي وبالأساس – تطبيق حقوق اللاجئين. التسويات السياسية يجب ان تخدم الهدف الأعمق وهو المصالحة بين الشعبين. · سنكون مبدئيين في توفير اقصى الدعم للنضالات في كل مجال ومجال (وحدة طبقية ضد السياسة الاقتصادية، وحدة الجماهير العربية ضد السلب والتمييز، وحدة النساء ضد التمييز ومن اجل دفع المساواة، وحدة تنظيمات السلام الدؤوبة في النضال ضد الاحتلال). ان السعي لتوحيد النضال يدفع شأن كل مجموعة مقموعة، ولا يناقض الارتباط مع مجموعات أخرى، ولا يتعارض مع دفع القضية العامة لأجل الديمقراطية والمساواة. إن وحدة النضال لا تلغي الحاجة في نقاش فكري مستديم بين المقموعين والمناضلين. على أساس هذه الوجهات والأفكار، ندعوكم للاشتراك في اللقاء الأول لـ ترابط. (مكان وموعد) Your text goes here. Your text goes here. Your text goes here. Your text goes here. |